ابن المقفع
12
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
الثنوية القائلة بوجود أصلين للعالم هما النور والظلمة . وفي رأي صاحب الفهرست الزنادقة هم أصحاب ماني اتباع « زند » وهو أحد كتبهم المقدّسة واستنادا إلى هذه الدلالة ، لا تعني اللفظة شيئا من الإلحاد أو الكفر . ولكنّ الكلمة استعملت في الإسلام بمعان متعدّدة وأطلقت على فئات ثلاث : فئة الماجنين الذين أسرفوا في اللهو والعبث ، وتساهلوا في شؤون العقيدة الدينية ، وأغلب هؤلاء من الشعراء الذين جهروا بالدعوة إلى ملاذ العيش ونبذ التقاليد وخرجوا عن حدود المحافظة . ومثل هذه الطائفة لم تتهم بالكفر إلا نادرا ، إذ كان نعتها بالزندقة وصفا لها بالظرف والدعابة . على أن بعض هؤلاء أوغلوا في سخريتهم بالفرائض والتعاليم فتعقبهم المسؤولون وأمعنوا فيهم اضطهادا . وهناك معنى آخر للزندقة ، ولعلّه المعنى الأصلي ، وكان يطلق على المانويين وغيرهم من المجوس الذين استمروا على مذاهبهم ورفضوا الدخول في الإسلام . وأما الزنادقة الذين لحقتهم تهمة الكفر ، ولاحقتهم السلطة الحاكمة - وخاصة زمن العباسيين - فهم الذين اعتنقوا الإسلام على غير إيمان صحيح ، واتّخذوه وسيلة للتقرب من أصحاب الدولة والسلطان . في حين استمروا باطنا على عقائدهم السابقة ومجوسيّتهم . وهذه الضروب من الزندقة كانت متفشّية في العصر العباسي ، لا سيما بعد أن نقل الفرس ، ومنهم ابن المقفع ، تعاليم المجوسية من زردشتيّة ومانويّة ومزدكيّة إلى العربيّة ، وراحوا يروّجون لها ، حقدا على الإسلام الذي قوّض ملكهم وقضى على دولتهم . وقد نشط الخلفاء العباسيون لمحاربة الزندقة والقضاء على الزنادقة ، غيرة على الدين في جانب ، ولأغراض سياسية ، في جانب أخر . ومع أن أبا جعفر المنصور لم يحمل بشدّة على هذه الفئة ، إلا أنه لم يتردد عن اتخاذ الزندقة أداة اتهام خطيرة ، لتبرير قضائه على بعض الشخصيات التي لا تتفق وسياسته . ويذكر المؤرخون أمثال أبي الفرج « 1 » والطبري « 2 » أن المهدي أول من خصّ رجلا
--> ( 1 ) انظر الأغاني : لأبي الفرج . ( 2 ) تاريخ الطبري .